تمرّ الأسواق العالمية بمرحلة غير اعتيادية، ليس بسبب حدث منفرد، بل بسبب تفكك العلاقات التي يقوم عليها التسعير المالي.
ارتفاع الأسهم والسلع في آنٍ واحد، صعود ، ضعف الدولار، وارتفاع عوائد السندات السيادية الأمريكية — هذه التركيبة لا تمثل دورة اقتصادية طبيعية، بل تشير إلى خلل بنيوي مؤقت لكنه خطير.
هذا المقال لا يناقش “إلى أين تتجه الأسواق”، بل يجيب عن سؤال أدق:
لماذا ما نراه الآن غير مستقر بطبيعته؟
أولًا: العلاقات الطبيعية التي كُسرت
في النظام المالي التقليدي، توجد علاقات منطقية متماسكة:
– عوائد السندات ترتفع /الدولار يرتفع /الذهب يتخفض
– عوائد السندات تنخفض/ الدولار ينخفض / الأسهم ترتفع
ما نشهده اليوم هو كسر متزامن لهذه العلاقات:
– عوائد السندات مرتفعة
-الدولار ضعيف
-الذهب صاعد
-الأسهم عند قمم تاريخية
هذا التزامن غير قابل للاستدامة لأنه يعني أن كل أصل يُسعّر رواية مختلفة عن الآخر.
ثانيًا: ماذا تقول لنا السندات؟
عوائد السندات لا ترتفع حاليًا بسبب قوة الاقتصاد، بل بسبب:
– علاوة مخاطر أعلى
– قلق من العجز المالي
– شك في مسار السياسة النقدية
– توتر سياسي واضح
بعبارة دقيقة:
السوق لا يطلب عائدًا أعلى لأنه متفائل، بل لأنه غير مطمئن.
عندما تصبح العوائد المرتفعة عقوبة ثقة لا أداة توازن، فإنها تتحول من عنصر استقرار إلى مصدر خلل
.ثالثًا: لماذا ضعف الدولار إشارة أخطر مما يبدو؟
ضعف الدولار في الظروف الطبيعية يكون نتيجة:
– تيسير نقدي
– تحفيز اقتصادي
– انخفاض عوائد حقيقي
أما ضعف الدولار مع ارتفاع العوائد، فهو حالة مختلفة تمامًا، تعني:
أن المستثمر يرى أن العائد المرتفع لا يكفي لتعويض المخاطر السياسية والمالية.
هذا النوع من ضعف العملة:
– لا يخدم الصادرات فعليًا
– ولا يعكس سياسة مدروسة
– بل يشير إلى تآكل تدريجي في الثقة
وهو أخطر أنواع الضعف لأي عملة احتياط.
رابعًا: الذهب ليس تضخمًا فقط
الذهب في هذه المرحلة لا يصعد فقط بسبب:
– توقعات التضخم
– أو ضعف الدولار
بل بسبب:
الشك في انسجام النظام نفسه.
عندما:
– لا يثق المستثمر بالسند
– ولا بالعملة
– ولا بالخطاب السياسي
فإن الذهب يصبح ملاذًا من الخلل، لا من التضخم فقط.
خامسًا: الأسهم عند القمم… هل هذا دليل قوة؟
الأسهم عند مستويات قياسية في بيئة كهذه لا تعني ثقة، بل تعني:
– سيولة تبحث عن مأوى
– أموال لا تريد البقاء نقدًا
– رهانات على تدخل مستقبلي لم يحدث بعد
الصعود الشامل لكل القطاعات لا يُعبّر عن نمو صحي، بل عن:
هروب جماعي من النقد إلى أي أصل قابل للتسعير.
وهذا سلوك دفاعي مقنّع، لا تفاؤل حقيقي.
سادسًا: البعد السياسي يزيد الخلل ولا يخففه
التدخل السياسي العلني في السياسة النقدية:
– يضعف مصداقية الفيدرالي
– يربك سوق السندات
– ويجعل أي أداة (كشراء السندات) أقل فعالية
خصوصًا مع وجود:
– خطر إغلاق حكومي
– انتخابات نصفية قادمة
– ضغط انتخابي على النتائج الاقتصادية
في هذه البيئة:
السوق لا يسعّر السياسة، بل يسعّر عدم القدرة على التحكم.
سابعًا: لماذا هذا الخلل لا يمكن أن يستمر طويلًا؟
لأن:
-الدولار الضعيف + العوائد المرتفعة = عبء تمويلي غير قابل للإدارة
-الذهب الصاعد + الأسهم عند القمم = تناقض في تسعير المخاطر
-استمرار هذا الوضع يفرض أحد أمرين:
- كسر العوائد نزولًا (بوسيلة ما)
- إعادة تسعير الأصول الخطرة
أي أن النظام سيُجبر على التصحيح، والسؤال كيف؟.
ثامنًا: لماذا قد يكون التصحيح مؤلمًا ومفاجئًا؟
لأن:
– الخلل طال أكثر مما ينبغي
– التموضع أصبح مزدحمًا
– التصريحات فقدت تأثيرها
– أي حدث سيولة أو تدخل غير متقن قد يكون الشرارة
التصحيحات الناتجة عن خلل بنيوي:
-لا تكون تدريجية
– ولا تحترم المنطق السعري
– وغالبًا تفاجئ حتى من “كانوا محقين اقتصاديًا”
الأسواق لا تعاقب من لا يدخل ، لكنها تعاقب بشدة من يدخل في الوقت الخطأ وبالمنطق الخطأ.
فراس حاج حسن
مستشار قرارات استثمارية
عضو CISI (المعهد البريطاني للأوراق المالية والاستثمار)
