أبقى الاحتياطي الفيدرالي على أسعار دون تغيير يوم الأربعاء، وكان ذلك متوقعًا. لكن النبرة الصادرة من مبنى إيكلز كشفت عن قصة أكثر تعقيدًا؛ قصة بنك مركزي محاصر بين أسعار متصاعدة لا يستطيع ترويضها بسهولة، وسوق عمل لا يستطيع تحمل كسره.

صوّتت اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة للإبقاء على النطاق المستهدف لسعر الفائدة الفيدرالي عند 3.50 إلى 3.75 بالمائة، وهو قرار وصفه الرئيس جيروم باول بأنه مناسب في ظل الظروف الحالية، إلا أن ما يعكسه فعليًا هو حالة من الجمود في السياسة النقدية، ينبغي على الأسواق مراقبتها عن كثب.

مشكلتان وسعر فائدة واحد

يفترض أن يوجّه التفويض المزدوج للاحتياطي الفيدرالي، المتمثل في تحقيق أقصى قدر من التوظيف واستقرار الأسعار، كل قرار يتم اتخاذه. لكن في الوقت الراهن، يتحرك كلا جانبي هذا التفويض في الاتجاه الخاطئ في آن واحد، وهو ما يجعل هذه الوقفة تبدو أقل شبهاً بالصبر وأكثر شبهاً بالفخ.

بالنسبة للتضخم، تبدو الأرقام مقلقة؛ فقد ارتفعت أسعار مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي الإجمالية بنسبة 3.50 بالمائة خلال الاثني عشر شهرًا المنتهية في مارس، وهو مستوى أعلى بكثير من هدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2.00 بالمائة. وحتى بعد استبعاد الغذاء والطاقة، بلغ المؤشر الأساسي 3.20 بالمائة. وكان باول واضحًا بشأن الأسباب، إذ أشار إلى أن ارتفاع أسعار الطاقة سيدفع التضخم الإجمالي إلى الأعلى، في ظل تصاعد الصراع في الشرق الأوسط وارتفاع ، كما أقر بأن القراءة المرتفعة للتضخم الأساسي تعكس بدرجة كبيرة تأثير الرسوم الجمركية على أسعار السلع، وهو ما يشير إلى وجود ضغوط تضخمية هيكلية.

هذه المشكلة تعكس تضخمًا مزدوج المصدر؛ أحدهما جيوسياسي وغير قابل للتنبؤ، والآخر ناتج عن السياسات ويتسم بالجمود. ولا يستجيب أي منهما بسهولة لتعديلات أسعار الفائدة على المدى القصير، ما يضع الاحتياطي الفيدرالي في موقف معقد؛ إذ إن رفع الفائدة قد يضر بالطلب قبل معالجة التضخم من جانب العرض، بينما خفضها قد يُفسر على أنه تساهل مع التضخم.

سوق العمل يبعث إشارات تحذيرية

لو كان التضخم هو التحدي الوحيد، لكانت الحسابات أبسط، لكن سوق العمل بدوره يرسل إشارات مقلقة. فقد استقر معدل البطالة عند 4.30 بالمائة في مارس، إلا أن باول أوضح أن هذا الرقم قد يكون مضللًا جزئيًا.

وأشار إلى أن مكاسب الوظائف ظلت ضعيفة، موضحًا أن التباطؤ يعود جزئيًا إلى تراجع نمو القوى العاملة نتيجة انخفاض الهجرة والمشاركة، ما يعني أن استقرار معدل البطالة يعود جزئيًا إلى انخفاض عدد الداخلين إلى سوق العمل، وليس إلى قوة التوظيف. كما أقر بأن الطلب على العمالة قد تراجع بشكل واضح.

وتدعم المؤشرات الأخرى هذا الاتجاه، حيث تتراجع فرص العمل ويتباطأ التوظيف، كما يشهد نمو الأجور الاسمية تراجعًا، وهو ما يعكس سوق عمل يفقد زخمه تدريجيًا دون أن يصل إلى مرحلة التدهور الكامل، الأمر الذي يمنح الاحتياطي الفيدرالي سببًا للتريث في تشديد السياسة النقدية.

لماذا لا يوجد خفض للفائدة حتى الآن؟

مع وصول مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي إلى 3.50 بالمائة، والأساسي إلى 3.20 بالمائة، فإن خفض أسعار الفائدة لا يبدو مطروحًا بشكل جدي في الوقت الحالي، خاصة أن مصداقية الاحتياطي الفيدرالي في مكافحة التضخم لا تزال قيد إعادة البناء منذ فترة ما بعد الجائحة.

وقد يؤدي خفض الفائدة في ظل ارتفاع أسعار الطاقة والتضخم المدفوع بالرسوم الجمركية إلى انتقادات حادة، وربما يرسخ توقعات التضخم عند مستويات مرتفعة. كما أن توقعات التضخم على المدى القصير ارتفعت بالفعل هذا العام، وهو ما ربطه باول بارتفاع أسعار النفط، رغم أن التوقعات طويلة الأجل لا تزال متماشية مع هدف 2.00 بالمائة، وهو توازن دقيق يستدعي المراقبة.

وجاء في قرارات التنفيذ يوم الأربعاء تأكيد الاحتياطي الفيدرالي إعادة استثمار المدفوعات الأصلية من حيازاته من الأوراق المالية التابعة للوكالات في سندات الخزانة بدلًا من الأوراق المالية المدعومة بالرهن العقاري، وهو تحول يعكس استمرار سياسة تطبيع الميزانية العمومية وعدم الاستعداد لتخفيف الأوضاع المالية بشكل ملموس.

خطوة بخطوة وسط ضبابية عالمية

كان باول حذرًا في حديثه عن التوجيه المستقبلي، مؤكدًا أن السياسة النقدية ليست على مسار محدد مسبقًا، وأن القرارات ستُتخذ بشكل تدريجي وفق تطورات البيانات. هذا النهج يمنح الاحتياطي الفيدرالي مرونة كبيرة، لكنه يعكس أيضًا حالة من الغموض الاستراتيجي المقصود.

في ظل استمرار الصراع في الشرق الأوسط وتأثيره على أسعار النفط والنمو، تبقى التوقعات الاقتصادية عرضة لعوامل خارجية يصعب التحكم فيها، وهو ما يعني أن إشارات السياسة النقدية ستظل غير واضحة خلال الفترة المقبلة، ما يفرض على المستثمرين التعامل مع بيئة عالية الضبابية.

نهاية ولاية باول وبداية مرحلة جديدة

شكّل يوم الأربعاء المؤتمر الصحفي الأخير لباول كرئيس للاحتياطي الفيدرالي، حيث تنتهي ولايته في 15 مايو، على أن يستمر عضوًا في مجلس المحافظين مع الحفاظ على دور منخفض الظهور، وفقًا لما أعلنه.

في المقابل، حصل خليفته كيفن وورش على موافقة لجنة الشيوخ المصرفية، ومن المتوقع أن يتولى قيادة البنك المركزي في ظل بيئة اقتصادية معقدة تتسم بارتفاع التضخم وتباطؤ سوق العمل واستمرار التوترات الجيوسياسية.

تاريخيًا، عُرف وورش بمواقفه الأكثر تشددًا مقارنة بباول، وانتقاداته لسياسات التيسير النقدي، ما قد يشير إلى تحول في نهج السياسة النقدية نحو التركيز بشكل أكبر على مكافحة التضخم، حتى لو جاء ذلك على حساب سوق العمل.

ما الذي يجب على الأسواق مراقبته؟

بالنسبة لأسواق الأسهم، تبدو الرسالة واضحة؛ دعم الاحتياطي الفيدرالي لم يعد مضمونًا كما كان في السابق، في ظل تضخم مرتفع وتوجه محتمل نحو سياسة أكثر تشددًا.

أما في أسواق السندات، فمن المرجح أن يظل الجزء القصير من منحنى العائد مستقرًا نسبيًا، لكن التوترات في الشرق الأوسط تظل مصدر خطر قد يدفع التضخم للارتفاع، ما قد يجبر الاحتياطي الفيدرالي على تبني موقف أكثر تقييدًا.

وفي سوق العملات، يظل الدولار مدعومًا في المدى القريب، حيث تسهم أسعار الفائدة المرتفعة نسبيًا في تعزيز جاذبيته مقارنة بالعملات الأخرى التي دخلت بالفعل في دورات تيسير نقدي.

لم يتحرك الاحتياطي الفيدرالي في اجتماعه الأخير، لكن الضغوط المتراكمة، من تضخم مرتفع وتباطؤ سوق العمل وتصاعد المخاطر الجيوسياسية، إلى جانب انتقال القيادة، تعني أن الخطوة المقبلة، متى جاءت، ستكون أكثر تأثيرًا من المعتاد.



شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version