في اجتماع لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية (FOMC) المنعقد في 29 أبريل 2026، قرر الفيدرالي ، ضمن نطاق يتراوح بين 3.50% و3.75%. إلا أن هذا القرار، الذي بدا ظاهرياً استمراراً لسياسة التريث، كشف عن خلافات جوهرية داخل اللجنة حول المسار المستقبلي للسياسة النقدية. وقد صرح جيروم باول باستمراره في عضوية مجلس الاحتياطي الفيدرالي بعد انتهاء مدته كرئيس، مما يشير إلى استمرارية الخبرة داخل البنك المركزي.

انقسام غير مسبوق في لجنة السوق المفتوحة

على عكس ما قد يوحي به قرار التثبيت، لم يكن الإجماع هو السمة الغالبة على اجتماع أبريل. فقد شهدت اللجنة انقساماً هو الأكبر منذ عقود، مما يعكس عمق المعضلة التي تواجه صانعي السياسات. بينما صوت غالبية الأعضاء، بمن فيهم رئيس الفيدرالي جيروم باول، لصالح تثبيت أسعار الفائدة، كان هناك تياران معارضان واضحان:

 • دعاة الخفض الفوري: صوت ستيفن ميران ضد قرار التثبيت، مفضلاً خفض النطاق المستهدف لسعر الفائدة الفيدرالية بمقدار 0.25 نقطة مئوية في هذا الاجتماع. يعكس هذا الموقف رغبة في دعم النمو الاقتصادي الذي بدأ يظهر عليه التباطؤ، وتخفيف الضغط على سوق العمل الذي قد يتأثر سلباً بأسعار الفائدة المرتفعة.

• المعارضون للتيسير المستقبلي: في المقابل، أيدت بيث هاماك، ونيل كاشكاري، ولوري لوغان قرار تثبيت الفائدة، لكنهم عارضوا تضمين أي إشارة ضمنية إلى التيسير المحتمل في المستقبل (easing bias) في بيان اللجنة. يشير هذا الموقف إلى قلقهم المستمر بشأن التضخم، وربما اعتقادهم بأن الظروف الاقتصادية لا تبرر التفكير في خفض الفائدة في الأجل القريب، خاصة مع استمرار الضغوط التضخمية.

معضلة السياسة النقدية: التضخم العنيد والنمو المتباطئ

يواجه الفيدرالي معضلة حقيقية بين مهمته المزدوجة المتمثلة في تحقيق أقصى قدر من التوظيف واستقرار الأسعار (التضخم عند 2%). فمن جهة، لا يزال التضخم أعلى من المستهدف بكثير، حيث قفز معدل التضخم السنوي في الولايات المتحدة إلى 3.3% في مارس 2026، مدفوعاً بشكل أساسي بارتفاع أسعار الطاقة بنسبة 12.5% سنوياً. هذا الارتفاع، خاصة في أسعار البنزين (18.9%) وزيت التدفئة (44.2%)، يضع ضغوطاً كبيرة على المستهلكين ويهدد بتأصيل التوقعات التضخمية.

من جهة أخرى، تظهر علامات مقلقة على تباطؤ النمو الاقتصادي، حيث بلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي في الربع الأول من عام 2026 حوالي 2.0% فقط. ورغم صمود سوق العمل، الذي أضاف 178 ألف وظيفة جديدة في مارس وانخفض معدل البطالة إلى 4.3%، إلا أن هناك إشارات إلى تباطؤ في نمو الأجور وارتفاع في عدد العاطلين عن العمل مقارنة بالعام الماضي.

التوترات الجيوسياسية: عامل معقد جديد

تزداد المعضلة تعقيداً بسبب التوترات الجيوسياسية، خاصة الحرب الدائرة في الشرق الأوسط منذ أوائل عام 2026 والحصار الأمريكي المفروض على الموانئ الإيرانية. هذه التوترات أدت إلى قفزة حادة في ، لتصل إلى 118.03 دولاراً للبرميل في 29 أبريل وتتجاوز 120 دولاراً في 30 أبريل. هذا الارتفاع في أسعار النفط يغذي التضخم ويضع الفيدرالي في موقف صعب، حيث أن خفض الفائدة في ظل هذه الظروف قد يزيد من الضغوط التضخمية، بينما الإبقاء عليها مرتفعة قد يخنق النمو الاقتصادي المتباطئ.

استمرارية التريث في ظل عدم اليقين

في المحصلة، يختار الفيدرالي التريث في لحظة عالمية معقدة تتسم بعدم اليقين الاقتصادي والجيوسياسي. إنها سياسة محسوبة بدقة تراقب أكثر مما تتحرك، وتنتظر أكثر مما تبادر، في محاولة للموازنة بين أهداف متضاربة في بيئة اقتصادية غير مستقرة.



شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version