هناك حقيقة لا يقولها بائعو الروبوتات، ولا يعترف بها أغلب من يشترونها: الإقبال على أتمتة التداول ليس — في كثير من الحالات — بحثاً عن كفاءة، بل فراراً من المواجهة مع الذات.

المتداول الذي يفشل في اتخاذ قراراته، أو يفشل في تحمّل نتائجها، يجد في الروبوت مخرجاً نفسياً مريحاً: طرفاً ثالثاً يحمل عنه وزر القرار ووزر الخسارة معاً.

هذه ليست استراتيجية استثمارية، بل آلية هروب.

البنية النفسية للهروب

اتخاذ القرار المالي فعل مُكلِف نفسياً. المتداول يواجه في كل صفقة معادلة غير مريحة: إذا ربح، فالفضل يُنسَب جزئياً للحظ؛ وإذا خسر، فالمسؤولية شخصية بالكامل. هذا التفاوت في الإسناد يُنتج ضغطاً تراكمياً، خاصة لدى من يربطون هويتهم بنتائج تداولهم.

الحل المُشوَّه لهذا الضغط هو تفويض القرار. حين تُصبح الخوارزمية هي من يُقرِّر، يحدث تحوّل في البنية النفسية: يتحوّل المتداول من فاعل إلى ضحية ظروف. الخسارة لم تعد نتيجة حكمه الرديء، بل نتيجة “عطل تقني”، أو “شروط سوقية غير اعتيادية”، أو “نموذج يحتاج تحديثاً”. هذه الصياغات ليست تفسيرات، بل إعفاءات.

في علم النفس يُعرَف هذا بـ Locus of Control الخارجي: الميل إلى إسناد نتائج الحياة إلى قوى خارج الذات.

 الأبحاث التي أجراها Julian Rotter منذ ستينيات القرن الماضي أثبتت أن أصحاب هذا النمط يُحقّقون نتائج أدنى في أي نشاط يتطلب تعلماً من الأخطاء، لأن آلية التعلم نفسها تستلزم الاعتراف بالمسؤولية قبل المراجعة.

لماذا يُفضِّل الدماغ هذا الهروب؟

الدماغ البشري مُبرمَج لتفضيل الألم المؤجل على الألم الفوري، وتفضيل المسؤولية الموزعة على المسؤولية الشخصية. الخسارة عبر قرار ذاتي تُفعِّل مناطق في الدماغ مرتبطة بالندم (خاصة القشرة الحزامية الأمامية)، وهذا ألم مُدرَك لحظياً. أما الخسارة عبر روبوت فتُفعِّل استجابة أخف بكثير، لأن الدماغ يُصنّفها ضمن “أحداث خارجية” لا “أخطاء شخصية”.

هنا تكمن الخدعة: الألم الخفيف لا يُنتج تعلماً. المتداول الذي لا يشعر بألم قراره لا يُراجعه. يُكرّر الخسارة تحت عناوين مختلفة: يُبدّل الروبوت، يُبدّل المنصة، يُبدّل الإعدادات، لكنه لا يُبدّل النمط لأنه لم يراه أصلاً. يظن أنه يُطوّر أدواته، بينما هو في الحقيقة يُطوّر وسائل تجنّب المواجهة مع قصوره.

استغلال الصناعة لهذا الدافع

صناعة بيع الروبوتات ليست صناعة تقنية، بل صناعة نفسية. خطابها التسويقي لا يُركّز على كفاءة الخوارزميات (لأن كفاءتها الفعلية ضعيفة في أغلب المنتجات)، بل على إزالة عبء القرار عن المستخدم. العبارات المتكررة مثل “تداول بلا عواطف”، “نم وأنت تربح”، “اترك الأمر للذكاء الاصطناعي”، “لا مزيد من القرارات المُرهِقة” — كلها صياغات تخاطب مباشرة الرغبة في التحرر من المسؤولية، لا الرغبة في تحسين الأداء.

من يُشاهد هذه الإعلانات ويشعر بانجذاب قوي لها، يجب أن يتوقف ويسأل نفسه: هل أنا منجذب لأن المنتج جيد، أم لأنه يعدني بإنهاء ضغط القرار؟ الإجابة الصادقة عن هذا السؤال وحدها تكشف الدافع الحقيقي.الكلفة المضاعفة

من يلجأ إلى الروبوت هرباً من المسؤولية يدفع ثلاث كُلف متزامنة:

الأولى مالية: معظم روبوتات التجزئة تفشل ميدانياً، لأسباب فنية  (تطابق مفرط، هشاشة أمام الأحداث الجديدة، إغفال تكاليف التنفيذ). الخسارة هنا ليست احتمالاً، بل نتيجة إحصائية متوقعة.

الثانية معرفية: المتداول الذي لم يتخذ قراراً لم يتعلم شيئاً. بعد سنوات من التداول الآلي، يجد نفسه في نفس النقطة المعرفية التي بدأ منها، بينما المتداول الذي قرر وخسر ثم راجع، يكون قد بنى خبرة مُركَّبة. الفارق بعد خمس سنوات لا يُقاس بالمال، بل بالكفاءة المتراكمة.

الثالثة شخصية: الاعتياد على تفويض القرار في مجال واحد يُنتج نمطاً نفسياً يمتد إلى مجالات أخرى. من يتهرب من مسؤولية قراره المالي غالباً ما يتهرب من مسؤولية قرارات أخرى في حياته المهنية والشخصية، لأن العضلة النفسية لتحمّل المسؤولية تضمر بعدم الاستخدام، كما يضمر أي نسيج لا يُحمَّل.

وبالنتيجة: 

من لا يستطيع اتخاذ قراراته الاستثمارية بنفسه، لن يُنقذه روبوت. الروبوت يُضخّم ما هو موجود، لا يُنشئ ما هو غائب. إن كان ما هو موجود هو التردد وعدم الوضوح والهروب من المسؤولية، فالروبوت سيُضخّم هذه الصفات ويُحوّلها إلى خسائر منهجية مُؤتمَتة.

الحل ليس في شراء أداة أفضل، بل في مواجهة السؤال الذي يهرب منه الكثيرون: هل أنا مستعد لتحمّل نتائج قراراتي، أم أبحث عن طرف أُلقي عليه اللوم؟ من يُجيب بصدق على هذا السؤال يعرف ما يجب فعله، سواء كان ذلك تطوير كفاءته الخاصة، أو الاعتراف بأن التداول ليس نشاطاً مناسباً له، أو تفويض ماله لجهة إدارة أصول مُرخَّصة وتحمّل مسؤولية هذا التفويض ذاته.

أما الهروب المُقنَّع بأدوات ذكاء اصطناعي فليس حلاً، بل تأجيلاً مُكلِفاً للمواجهة الحتمية.

فراس حاج حسن

مستشار قرارات استثمارية

عضو CISI (المعهد البريطاني للأوراق المالية والاستثمار)



شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version