تُسعّر الأسواق حاليًا احتمالات أعلى بأن الحرب مع إيران قد انتهت، لكن حتى لو ثبت ذلك، فإن الآثار الاقتصادية للصراع ستستمر لأشهر، وربما لسنوات.
ينصبّ تركيز معظم العالم على الدراما الفورية للصراع — من هجمات عسكرية وإغلاقات وعقوبات. لكن أكثر آثار الحرب زعزعة للاستقرار في منطقة الخليج لا تحدث في الوقت الفعلي، بل تصل بتأخر، حيث تمتد ببطء عبر البحار داخل هياكل ناقلات ، وتنعكس في انخفاض صادرات والمواد الزراعية الأساسية. هذا التأخر في زمن النقل يشير إلى أن الاقتصاد العالمي لم يبدأ بعد في استيعاب التداعيات الكاملة لتراجع الصادرات من المنطقة.
كتبت كومفورت إيرو، رئيسة ومديرة تنفيذية لمجموعة الأزمات الدولية: “للحروب طريقة في الكشف عن البنية المخفية للعالم. نلاحظ المضائق الضيقة ونقاط الاختناق الهشة والصفقات غير المرئية التي تحافظ على الحياة اليومية سليمة فقط عندما تبدأ في الفشل. اليوم، مضيق هرمز هو أحد هذه الأماكن.”
عادةً ما يستغرق النفط (Oil) المُصدَّر من منطقة الخليج العربي ما بين 30 إلى 45 يومًا للوصول إلى الأسواق الرئيسية في أوروبا وآسيا والأمريكيتين. وعندما تتعطل الإنتاج أو طرق الشحن بسبب النزاع، لا يظهر التأثير بشكل فوري. بدلًا من ذلك، تواصل الأسواق العالمية استهلاك المخزونات الحالية بينما يتراجع تدفق الإمدادات الجديدة تدريجيًا. وبحلول ظهور النقص في الأسواق النهائية، يكون الخلل الأساسي قد تراكم بالفعل منذ أسابيع.
ويُعد الانخفاض الحاد في إنتاج وصادرات النفط خلال الشهر الماضي أول إشارة على أن اضطراب الإمدادات العالمية بدأ بالامتداد والتأثير. فقد تراجع إنتاج أوبك (OPEC) بنسبة 27% في مارس — وهو انخفاض قياسي — بينما تبدو فرص التعافي السريع ضعيفة حتى مع استمرار وقف إطلاق النار. وفي أفضل السيناريوهات، قد تحتاج دول الخليج إلى أشهر لاستعادة مستويات الإنتاج الطبيعية، وفقًا لتقديرات الشيخ نواف الصباح، الرئيس التنفيذي لشركة كويت بتروليوم.
وفي الوقت نفسه، يؤدي هذا التأخر في صادرات الطاقة إلى خلق وهم مضلل بالاستقرار، مع انتقال التركيز إلى انخفاض وتيرة العمليات العسكرية. لكن آثار الحرب ستستمر في التردد لوقت طويل في المستقبل.
وقد أشار لوك غرويمين، رئيس شركة الأبحاث “فورست فور تريز”، مؤخرًا إلى أنه بعد سبعة أسابيع من بدء الصراع لا يزال مضيق هرمز مغلقًا، مضيفًا أن “مشكلات سلاسل الإمداد بدأت تتراكم بالفعل بشكل واضح”. وعلى سبيل المثال، أوقفت شركة توتو (Toto) اليابانية، المتخصصة في المراحيض، طلبات جديدة لوحدات الحمامات الجاهزة بسبب نقص المواد، في ظل استمرار الضغط على سلاسل إمداد النفط العالمية نتيجة الحرب مع إيران.
أما قطاع الزراعة في الولايات المتحدة، فيواجه ضغوطًا متزايدة. إذ ينتهي موسم الزراعة خلال نحو ستة أسابيع، وارتفاع أسعار الأسمدة الناتج عن الصراع يضع المزارعين أمام خيار صعب: تقليل المساحات المزروعة أو الاستمرار وتحمل خسائر مالية. ويُظهر استطلاع لـ الاتحاد الأمريكي لمكتب المزارع أن “ما يقرب من 6 من كل 10 مزارعين يواجهون تدهورًا في أوضاعهم المالية بسبب ارتفاع تكاليف الأسمدة والوقود خلال موسم الزراعة الربيعي”.
ورغم أن جزءًا صغيرًا فقط من حركة التجارة عبر المضيق عاد مؤخرًا مقارنة بالتوقف شبه الكامل في الأسابيع السابقة، إلا أنه لا يزال من غير الواضح مدى سرعة تعافي الصادرات بشكل كامل.
يشير مجلس الأطلسي إلى أنه “حتى لو أعيد فتح المضيق قريباً، فمن المرجح أن تستمر ضغوط الإمدادات واللوجستيات الأساسية لإغلاق الممر المائي لأشهر. تضررت أو دُمرت الكثير من طاقة التكرير في المنطقة خلال الصراع، وقد تستغرق البنية التحتية المطلوبة لمعالجة وتصدير السلع سنوات لإعادة بنائها بالكامل.”

إن صادرات النفط ليست الصادرات الوحيدة المعرّضة للخطر. إذ تُعد منطقة الخليج العربي مصدرًا رئيسيًا لمنتجات الغاز الطبيعي والسوائل المرتبطة به، إضافة إلى الأمونيا واليوريا وغيرها من المواد البتروكيميائية الأساسية لصناعة الأسمدة عالميًا. وأي اضطراب مستمر في هذه الإمدادات يهدد سلاسل الغذاء والزراعة خارج المنطقة على نطاق واسع.
حتى التأخير لبضعة أسابيع فقط في شحن هذه المواد الأولية يمكن أن يتطور إلى سلسلة من التأثيرات المتلاحقة، تبدأ بتراجع توفر الأسمدة، مرورًا بانخفاض الإنتاج الزراعي، وصولًا إلى ارتفاع أسعار الغذاء بعد عدة أشهر.
إن تأثير الحرب على النفط ومدخلات الأسمدة يُشبه موجة صدمة بطيئة الحركة. فالعالم لا يزال في المراحل الأولى، محميًا بالمخزونات والشحنات التي سبقت اندلاع الصراع. لكن مع مرور الوقت وظهور الأثر المتأخر، سيبدأ تراجع صادرات الخليج في فرض ضغوط متزايدة على أسعار الطاقة وإنتاج الغذاء والاستقرار الاقتصادي العالمي.
الحقيقة أن التداعيات لم تنتهِ… بل إنها بدأت للتو بالوصول.
